الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

مصر مابعد مبارك محاولة للفهم

الناظر إلى مصر مابعد مبارك يستطيع أن يرصد من خلال العديد من الظواهر والأحداث أهم سمات وملامح المرحلة الإنتقالية فالساحة المصرية بعد الثورة تشهد المزيد من الإعتصامات والمظاهرات والإضرابات والخلافات والشقاقات وكذلك تستطيع أن تلاحظ مدى الحيوية السياسية التى يشهدها المجتمع المصرى وإن قابلت تلك الحيوية ضبابية فى الرؤية وقلق على المستقبل ونحن فى هذا الفصل سنحاول إستنباط أهم ملامح المرحلة الإنتقالية فى مصر وهى كمانرى كالأتى :-
أولاً : توقعات كبيرة ومطالب متزايدة فى مقابل مؤسسات ضعيفة
ثانياً : السيولة
ثالثاً : الحيوية السياسية
رابعاً : الإستقطاب
خامساً ضبابية فى الرؤية
سادساً : إختلال التوازن بين قوة المجتمع والدولة لصالح المجتمع
وسنتحدث عن كل نقطة من هذه الملامح فى الأسطر القادمة شارحين لكل منها من خلال قرائتنا للوقائع والأحداث
أولاً : توقعات كبيرة ومطالب متزايدة فى مقابل مؤسسات ضعيفة
صاحب نجاح الشعب المصرى فى الإطاحة بواحد من أعتى النظم الديكتاتورية فى العالم أحلام وطموحات صعبة التحقيق والمنال فى ظل واقع سىء ورثه القائمين على إدارة المرحلة الإنتقالية وفى ظل مؤسسات ضعيفة ومتهالكة ، تصور كثير من المصريين أن نجاحهم فى إزاحة مبارك وحزبه عن سدنة الحكم تعنى وبشكل مباشر مضاعفة الأجور وأن الأموال المنهوبة ستعود وبسرعة ليحصل كل مواطن على نصيبه وربما قام البعض بحساب نصيبه من هذه الأموال وظنوا أن نجاح الثورة يعنى إنهاء كل صور وأشكال الفساد التى رسخت دعائمه وبشكل ممنهج فى كل أرجاء الجهاز البيروقراطى المصرى ، بإختصار شديد عاش المجتمع المصرى بعد الإطاحة بمبارك ثورة فى التوقعات والتصورات التى ربما لا تستند إلى واقع وأرضية
ولعل أبرز مظاهر هذه الثورة فى التوقعات كانت
- تلك المظاهرات والإضرابات والإعتصامات التى سميت بالمطالب الفئوية وقال عنها رئيس الوزراء المصرى دكتور عصام شرف أنها مطالب إنسانية وقال عنها بعض الساسة والمحللين السياسين أنها أحد أشكال الثورة المضادة
- المبالغة فى المظاهرات التى طالبت بالتطهير حيث تتصاعد المطالبات بتطهير المؤسسات إبتداءً بمديرى المصالح والشركات والشرطة مروراً برؤساء الجامعات وقيادات الإعلام الحكومى وهى إلى هذا الحد مطالب مهمة ولازمة ولكن تتصاعد المطالب أكثر وأكثر فتطالب بعض القوى المحسوبة على الثورة وبعض المتحمسين بإقالة النائب العام وإسقاط المشير وتطهير المؤسسة العسكرية
- أصبحت هناك فجوة بين المتوقع وبين الممكن والمتاح وهو ماخلق حالة من الإحباط والغضب وهو ماجعل الكثير من المصريين يقولون (وكأنه لم تحدث ثورة )
- كذلك أصبحت هناك فجوة بين رؤيتين لأداء حكومة شرف الرؤية الأولى ترى أنه وكأننا لم نقم بثورة وأن الحكومة الحالية هى المسئولة عن ذلك لأنها لا تتعامل على أنها حكومة ثورة عليها أن تتخذ إجراءات كحل المحليات ، قرار بالتخلص من الصف الأول (وربما الثانى والثالث) من القائمين على جهاز البيروقراطية المصرية وتنفيذ الحد الأدنى للأجور 1200 بشكل أنى وبين الرؤية الثانية التى ترى أن هذه الحكومة حكومة تسيير أعمال دورها ينتهى بعد عدة أشهر بمجرد قدوم حكومة منتخبة وبالتالى لا يحق لها أن تتخذ قرارات إستراتيجية تلزم الشعب
تلك الطموحات الثورية من شأنها أن تؤدى إلى فقدان الثورة للبوصلة وهو مايهدد نجاح الثورة التى ليست غاية فى حد ذاتها وإنما هى وسيلة وليست الوسيلة الوحيدة
ثانياً : السيولة
أمر طبيعى أن تكون أهم سمات مرحلة مابعد النجاح فى إزالة نظام مستبد كنظام مبارك وإنكسار جهازه الأمنى القمعى المتضخم أن يشهد المجتمع المصرى حالة من السيولة الشديدة تتجلى تلك الحالة فى الظواهر الأتية :-
1- إنفلات إعلامى
ربما لا يصح أن ندرج تحت هذا البند الزيادة فى عدد القنوت الفضائية والبرامج الحوارية واالصحف لأن المكان الطبيعى لهذا الإدراج يكون تحت بند الحيوية السياسية التى يتمتع بها المجتمع المصرى بعد الثورة والتى هى أحد ملامح المرحلة الإنتقالية ولذلك نحن سنناقش فقط ما تقدمه هذه الفضائيات وتلك البرامج الحوارية والجرائد اليومية والإسبوعية من مواد تأتى أهمية الوقوف أماماها وتأملها من أن الإعلام يعتبر هو المسار الوحيد تقريباً لمناقشة الرؤى وطرح الأفكار فى ظل غياب مايسمى بالمؤسسات الوسيطة التى تنقل رؤية أبناء المهنة الواحدة أو الإنتماء السياسى الواحد وفى ظل غياب المجالس التى تعبر عن الشعب وتنقل مطالبه وتضعها موضع التنفيذ بعد حل مجلسى الشعب والشورى وكذلك المجالس الشعبية المحلية ومن المفترض أن يقوم الإعلام بمناقشة القضايا والمستجدات ونقل المطالب والرؤى إلى من يديرون البلاد وبدلاً من أن يقوم الإعلام المصرى بنوعيه الحكومى والخاص بدوره فى نقل المطالب ومناقشة المبادرات وتوعية الجماهير والتقريب بين أبناء الوطن الواحد كان الإعلام على عكس المطلوب منه وكان السمة الرئيسية هى غياب المهنية وربما الإخلاق عن حسابات صانعى الإعلام فى مصر بعد الثورة
- حرص الإعلام المصرى بحسن نية أو سوء نية لا يهمنا كثيراً فالنتيجة واحدة حرص على نشر الخبر وعلى تحقيق الإنفراد الإعلامى بغض النظر عن صحة أودقة المعلومة والفائدة التى ستعود على الوطن من نشرها وهو مادعا المستشار السياسى لرئيس الوزراء الدكتور معتز عبدالفتاح للقول فى مقال له بجريدة الشروق((أتمنى أن يتم تشكيل جهاز خاص اسمه «الهيئة العلى للنفى» فى كل جهة حكومية هدفها نفى هذا الكم المهول من الأخبار المصطنعة التى يروجها بعض الصحفيين والإعلاميين منسوبة «لمصدر مسئول» أو لأشخاص بأسمائهم لنفاجأ جميعا بأنها تكهنات أو أخبار مغلوطة. ويكون من مهام هذه «الهيئة العليا للنفى» أن تذكر اسم الصحف والصحيفة وتاريخ النشر وتكتب على موقعها على النت كم عدد الأخبار الكاذبة والمغلوطة التى نشرتها الجريدة أو الصحفى حتى نعرف من هم أولئك الذين لا يعون معنى الآية الكريمة: «إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا». أرجوكم أحسنوا التلقى وأحسنوا النقل يا أهل صنعة الصحافة والإعلام»، وأرجوكم أيها القراء الكرام: «إن جاءكم موقع إلكترونى أو ما شابهه بنبأ، فتبينوا)
- الخلط بين ماهو خيال وماهو تنبؤ ورؤية شخصية وبين الحقيقة
- تصدر المشهد من يطلق عليهم النخبة إستحوذوا على المشهد الإعلامى ربما لأنهم الأقدر على الوصول إلى الأعلام والتعامل معه أو هم متوافقون مع ميول وتوجهات القنوات الفضائية والصحف ومموليها
- بدلا من أن يقوم الإعلام بدوره فى التوعية كان أحد أسباب القلق والتيه الذى يحياه المصريون من خلا المكلمات المنصوبة ليلاً ونهارا فى القنوات ً والمشكلات التى بدلاً من أن يعالجها ويسعى لحلها كان سبباً فى تضخمها
وهناك المزيد الذى سنذكره تفصيلاً نظراً لأهمية الجهاز الإعلامى وعظم وأهمية دوره فى فصل خاص
2- تضخم عدد الإئتلافات والجبهات
عندما دعا المجلس العسكرى إلى حوار مع الحركات الشبابية أعلن مائة إئتلاف من من إئتلافات شباب الثورة مشاركتهم فى هذا الحوار كما ورد بجريدة الأهرام كما أعلن 23 إئتلافاً رفضهم المشاركة فى الحوار وكذلك ورد بجريدة المصرى اليوم أن 70 حركة أبدت أبدت ملاحظات على الدعوة التى وجهها المجلس ليست المشكلة فى كثرة عدد الإئتلافات وإنما الإشكالية تكمن فى أن تصبح هذه الإئتلافات سبباً فى الفرقة والخلاف وفى إحداث مزيداً من الإنقسام فى المشهد السياسى المصرى وهو تخوف بدت بوادره تلوح فى أفق المشهد المصر فودنا حتى إنشقاقات وجبهات داخل هذه الإئتلافات فهناك وعلى سبيل المثال لا الحصر ماحدث داخل حركة 6 إبريل التى إنقسمت إلى جبهة أحمد ماهر وجبهة عمرو عزت
3- الإندفاع نحو تشكيل الإحزاب
تضخم عدد الأحزاب حيث بلغت عدد الأحزاب المعلن عنها ما يقارب 50 حزباً والتى خرج بعض مؤسسيها من عباءة قوى سياسية قائمة ومازال إندفاع النشطاء نحو تكوين الأحزاب قائماً حتى أصبح تكوين حزب سياسى أحد أشكال الدعاية لإنتخابات مجلس الشعب وربما كان هذا الإندفاع نحو تكوين الأحزاب مبرراً وطبيعياً وربما التجربة وممارسة العملية الديموقرطية ومع الوقت ستموت كثير من هذه الأحزاب وسيبقى ثلاثة أحزاب أو خمسة رئيسية فبعد إنقلاب البرتغال فى التسعينيات تأسس هناك 90 حزباً وفى أعقاب الحرب العالمية الثانية تشكل فى اليابان 400 حزب
4- وجود العديد من الدعوات للحوار الوطنى من جهات مختلفة
فى ظل حالة الإنقسام التى أصابت المجتمع المصرى وفى ظل غياب أليات حسم الخلاف كان من الطبيعى أن يدعو العقلاء لحوار يجمعون فيه فرقاء اليوم شركاء الأمس وكان الإحتياج لدعوة واحدة تجمع لكن وجدت عشرات الدعوات فكان الحل سبباً فى مزيد من الفرقة فوجدنا الحوار من أجل مصر الذى دعا له الدكتور محمد بديع مرشد الإخوان والحوار الأول الذى دعا له دكتور يحى الجمل ومؤتمر مصر الأول الذى دعا له دكتور ممدوح حمزة ومجموعة من الإعلاميين والحوار الوطنى الذى أداره الدكتور عبدالعزيز حجازى والوفاق الوطنى الذى دعا له دكتور الجمل والتحالف الديموقراطى من أجل مصر الذى صاغ وثيقته دكتور يحى عبدالمجيد الباحث بمركز الأهرام للدراسات والذى دعا له حزب الحرية والعدالة وحزب الوفد ووجدت وثيقة توافق أطلقها الدكتور محمد البرادعى المرشح المحتمل لرئاسة الجمهورية وكذلك مثلها من القاضى هشام البسطويسى المرشح المحتمل للرئاسة أيضاً وكذلك ماعرف بوثيقة الأزهر
5- إنتشار الشائعات والحديث فى أمور مهمة وحساسة بغير علم وإصدار أحكام مبنية على معلومات غير دقيقة وربما غير صحيحة
ومرد هذه الحالة من السيولة إلى العديد من الأباب نذكر منها الأتى :-
1- غياب المؤسسات أو ضعفها إن وجدت :
عدم وجود مؤسسة رئاسة بعد خلع مبارك وكذلك عدمو جود المؤسسات التشريعية والرقابية بعد حل مجلسى الشعب والشورى وكذلك حل المجالس الشعبية المحلية بحكم قضائى أضعف إلى ذلك ضعف الجهات الحكومية الرقابية والمسئولة عن الضبط والمحاسبة وكذلك وهن قوة الردع التى تملكها الدولة متمثلة فى جهاز الشرطة
2- عدم وجود جهات ومؤسسات وسيطة تمثل الشعب المصرى بفئاته المختلفة فالنقابات المهنية والإتحادات الطلابية والعمالية إما أنها كانت واقعة تحت الحراسة أو مجمدة إنتخابتها أو مجالسها جائت بالتزوير وبالتالى غير معبرة عن المنتظمين فيها .
3- السبب الأهم هو مناخ الحرية الذى إستطاع المصريون خلقه وإيجاده بداء شهدائهم وبعد أن إستطاعوا التخلص من النظام المستبد الذى حكمهمهم منذ مايفوق الأربعين عامأ هذا المناخ لم يعهده المصريون من قبل فالجميع فى مصر الأن يتحدث فى السياسة والقانون ويدلى بدلوه فى أمر يحتاج إلى تخصص كإعادة هيكلة جهاز الشرطة
وإن كانت تلك الأمور طبيعية فى مجتمع يحدث به هزات وتحولات كبيرة كالمجتمع المصرى إلا أن إستمرار هذه الحالة وعدم إيجاد المؤسسات وتنظيم تداول المعلومات ستكون عواقبه وخيمة وهو ما يعوق إنجاز التحول الديموقراطى

ثالثاً :- الحيوية السياسية
المجتمع المصرى الذى طالما وصف بأنه عازف عن الحديث أو المشاركة فى السياسة يتحدث ويتناقش فى القضايا السياسية فى كل مكان فى وسائل المواصلات العامة وفى المقاهى ويتابع البرامج الحوارية والقنوات الإخبارية بشغف وتشكل إئتلافات وتنتشر دعوات الأحزاب ومؤتمراتها فى كل مكان ويذهب رموز السياسة إلى الجامعات بدعوى من إتحادات الطلاب لإلقاء المحاضرات والإلتقاء بالطلاب
ولكن أحب أن أسجل هنا أن الأحزاب الوليدة والقديمة على حد سواء لم تستفد الإستفادة المثلى ولم تتجاوب التجاوب المطلوب مع تلك الحيوية السياسية التى أوجدتها ثورة يناير ومازالت هناك فجوة بين الأحزاب والجماهير

رابعاً : الإستقطاب
مرحلة إنتقالية يتولى إدارة شئون البلاد فيها المجلس الأعلى للقوات المسلحة إتسمت العلاقة بين المصريين عموماً بالتوتر والشك حيث ذهبت روح التوافق والتجرد ونكران الذات التى كانت سبباً فى إنتصار الثورة ونجاح الشعب المصرى فى الإطاحة برأس النظام وحاشيته وحل محلها المناكفات والمزايدات الحزبية والمناظرات الأيدلوجية الجدلية التى لاتنتهى وأقحمت القوى الثورية نفسها فى حلقات مفرغة من الجدل لا تنتهى حول مسائل نظرية وأمور إجرائية لا ينبنى عليها عمل وهذا ما ينذر بتبديد طاقات الثّورة وإهدار مواردها البشريّة والفكريّة وإضعاف ثقة الشّعب بنفسه وبثورته وفقدان الثورة لزخمها وتعرض رصيدها الإستراتيجى وهو التأييد الشعبى للنفاذ حيث هذه القضايا المختلف عليه لا تهم عموم المواطنين ولا تشغل حيزاً فى تفكيرهم وهذا ما يستوجب أن تستفرغ كافّة الأقلام و المؤسّسات الفكريّة العربيّة وسْعها في إعانة شركاء الأمس فرقاء اليوم على إستعادة روح التوافق والوحدة وفي ضبط هذه الحرية التي مهروها بالعرق والدّماء والتضحيات العظام وتنظيمها لأنّ هذه الثّورة إذا سقطت فلربّما تأخّرت نهضة الأمّة إلى ألفيّة تالية.
ولعل مساهمتنا تتجلى فى محاولتنا هذه لتوضيح الأمور التى يدور حولها الخلاف والتى أدت إلى تدهور العلاقات بين شركاء الثورة والأسباب التى نراها سبباً لهذا الإنقسام ثم نوضح خطورة إستمرارحالة الإستقطاب بين القوى الثورية وبعضها وأثر ذلك على تحقيق منجزات الثورة وإستكمالها
• المسائل التى يدور حولها خلاف
العديد من الموضوعات التى وجد المصريون أنفسهم تجاهها منقسمين إلى فريقين فمثلاً :-
- حول الموقف من المجلس العسكرى وإسلوب إدارته للمرحلة الإنتقالية حيث توجه له الإتهامات من بعض القوى والحركات ويشكك فى نواياه وأكثرهم غضباً من المجلس العسكرى وأداؤه يطالب بمجلس مدنى وهو ما ترفضه القوى الإسلامية
- الخلاف حول خارطة الطريق التى رسمت من خلال الإستفتاء ثم الإعلان الدستورى وقد لإفتعلت وأثيرت العديد من القضايا حول تلك الخارطة من التشكيك فى نتائج الإستفتاء مرورا بماعرف معركة الدستور أولاً وأخيراً الخلاف حول مايعرف بالمواد فوق الدستورية أو المواد الحاكمة التى يرفضها الإسلاميون ويقولون أنها مصادرة لحق الشعب وإرادته وإن كان الفصيل الأهم داخل التيار الإسلامى وهم الإخوان المسلمون ومن خلال حزب الحرية والعدالة وبالإشتراك مع حزب الوفد دعوا إلى تحالف ديمقوقراطى شارك فيه 30 حزباً وحركة من أطياف مختلفة كانت أحد مفراداته وثيقة مبادىء صاغها الدكتور وحيد عبدالمجيد الباحث بالأهرام قالوا أنها ملزمة لهم إذا كانوا هم الأغلبية فى البرلمان .
- حول علاقة الدين الإسلامى بالدستور وعلاقة الدينى بالسياسى وهو خلاف مصطنع إلى حد كبير .
كانت الساحة الأساسية لهذه الصراعات والإنقسامات هى وسائل الإعلام التى غذت الخلاف وتسببت فى تعميقه ووجد ما أسميه حرب المصطلحات كتلك التى دارت حول الدولة المدنية والدينية وحول المواد الفوق دستورية والمواد الحاكمة والمواد الأساسية ومن طلب الحقيقة من الألفاظ هلك!.. هذه العبارة التي أطلقها يوماً الإمام أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام في عصره) تكاد تصور -للأسف الشديد- الواقع المصرى بعد الثورة حيث النقل الحرفى للمصطلحات الغربية وإنزالها على الواقع المصرى
• بعض النقاط التى نراها تسببت فى حالة الإستقطاب
- بعض القوى والتيارات العلمانية (الليبرالية – القومية – اليسارية ) والنخب التى تتحدث بلهجة متعالية وبخطاب إقصائى وهى صاحبة صوت عالى وتستطيع أن تصل إلى الأعلام
- ربما رأت بعض القوى أن ماكان سبباً فى التوحد والتوافق هو وجود عدو واضح يهدد الجميع وهو نظام مبارك وبعد أن نجحنا فى الإطاحة به فما المانع من أن تتمايز القوى المختلفة أصلاً فى أفكارها ومبادئها
- لا نستطيع أن نستبعد فى ظل هذا المشهد الملتبس نظرية المؤامرة الداخلية والخارجية حيث أمريكا ومصالحها التى تتعارض مع نجاح الشعب المصرى فى إنجاز التحول الديموقراطى حيث الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيونى والغرب يريد ويدعم إعادة إنتاج النظام السابق ولكن مع رتوش "إصلاحي" و"ديمقراطي" وفقاً للوصفة الدولية التي يشير إليها أوباما.وقد أعلنت السفيرة الأمريكية أمام الكونجرس أنهم أنفقوا 40 مليون دولار على دعم الديموقراطية فى مصر وكذلك فإن المستفيدين من النظام السابق وبقاياه لا يعجبهم مايحدث بالتأكيد ويريدون أيضاً إعادة إنتاج النظام القديم
- أرى أن وسائل الإعلام المختلفة حكومية وخاصة ،مقروءة ومرئية ساهمت فى تعميق هذا الخلاف وتناميه وغلبت طرف على أخر وأهتمت بالإثارة على حساب الصالح العام
• خطورة إستمرارحالة الإستقطاب بين القوى الثورية وبعضها وأثر ذلك على تحقيق منجزات الثورة وإستكمالها :
- أخطر النتائج المترتبة على إستمرار هذه الحالة هو مقاربة رصيد الثوار على النفاد، حيث الأمور التى يدور حولها الخلاف ليست من أولويات عموم الشعب المصرى الذى يطلب الأمن ويخاف من تدهور ظروفه المعيشية وهو ماسيكون أحد أسباب كفر الشعب بالثورة
- إزدياد الفجوة بين القوى السايسة والثورية وعموم الشعب المصرى الذى بدأ ينظر إلى هذه القوى على أنها ترعى وتطلب مصالحها الخاصة وفقط ولا تلتفت إلى إهتماماته
- إستمرا هذه الحالة من الإستقطاب من شأنه أن يعصف بمنجزات الثورة ويعيد الثقة من جديد لبقايا النظام وفلول الحزب الوطنى الذين سيعظمون المخاوف الوجودة لدى الشعب المصرى


خامساً ضبابية فى الرؤية :-
المشهد الثورى المصرى بدا فى الأونة الأخيرة مرتبكاً وكأنه فقد البوصلة التى تحدد له الإتجاه الصحيح الذى يسير فيه وهو ما يعطي الانطباع لدى المراقب بأنّ الثورة الحاليّة تطالب بتحقيق إصلاح لا تدرك تحديدًا ماهيّته ولا تسبر غوره ولا تتحكّم في نتائجه وآثاره ولا تقوَى على حماية نفسها ولا أوطانها من الاختطاف من قبل الأجانب أو صائدي الفرص السياسيّة من الانتهازيّين. ، مظاهر هذا الإتباك وتلك الضبابية فى الرؤية لدى الثوار والشعب المصرى نسجملها فى النقاط الأتية
- تبدو مطالب بعض القوى الثورية والإئتلافات الشبابية غير محددة وغير مجمعة عليها وهى فى تزايد مستمر وفى بعض الأوقات غير معقولة وربما مستحيلة
- بعض الشباب يطلقون ويتحدثون بعبارات هى غير صحيحة كالقول مثلاً بأن الثورة لم تحقق شيئاً وهذا قول غريب ولا يتسق والواقع والحقيقة
- القرارات الحكومية بطيئة وتثير الشك والريبة فى أحيان كثيرة
- ليست هناك خطة زمنية واضحة المعالم لإنتقال السلطة
- الشارع المصرى قلق على أمنه وأكثر خوفاً من تدهور أحواله المعيشية ونخبة سياسية وثقافية منقسمة على نفسها تهتم بقضايا لا تمس عموم الشعب المصرى
- عدم القدرة على إيجاد أليات حقيقية للتفاوض بين المجلس العسكرى والحكومة والقوى الثورية والشباب
- إستهلاك أدوات بذاتها من أدوات الضغط الشعبى ةهى الإعتصامات والمليونيات وعدم القدرة على إيجاد أوات فعل سياسى جديدة غير هاتين الوسيلتين
- توجد فى مصر أزمة شرعية فلا يمكنك تحديد من يمثل الشعب المصرى ومن يمثل الثورة وله الحق أن يتحدث بإسمها فى ظل عدم وجود قيادة من النمط التقليدي التاريخى الذى تعرفه النظريات وويحدثنا عنه التاريخ
- أزمات مفتعلة وخلافات وهمية وأحداث متلاحقة كالعواصف وما أن تهدأ عاصفة حتى تهب أخرى

سادساً : إختلال التوازن بين قوة المجتمع والدولة لصالح المجتمع
فى ظل التصنيف التقليدى لعلاقات الدول والمجتمعات فى المحيط العربى يقرر أنه كانت هناك دول أقوى من المجتمعات كمصر وسوريا ومجتمعات أقوى من الدول كالحالة اللبنانية واليمنية وهناك دول تتعادل فيها قوة المجتع والدولة كالكويت ولكن ثورة يناير جعلت مصر تنتقل من الحالة الأولى التى فيها الدولة أقوى من المجتمع إلى الحالة الثانية التى يكون فيها المجتمع أقوى من الدولة وهو مايشكل خطر على مستقبل الدولة المصرية وقدرتها على القيام بالمهام ويجب ضبط العلاقة بين المجتمع والدولة بحيث تتوازن القوة ولا يغلب طرف على حساب طرف لأن تنامى القوة فى إتجاه واحد من شأنه أن يخلق إستبداداً فى الأولى ومن شأنه فى حالة تنامى قوة المجتمع على حساب الدولة أن يجعل الدولة عبارة عن وحدات متفككة ومنقسمة وفاشلة فى القيام بمهامها وهو ما سينعكس بالسلب على المستويين الداخلى والخارجى
خارجياً ستصبح الدولة المصرية مثيرة للمتاعب وستمثل عبئاً على دول الجوار وعلى المستوى الداخلى سيكون ذلك التنامى فى قوة المجتمع على حساب الدولة سبباً حالة من عدم الإستقرار السياسى وقد يحدث فراغ سياسى حيث تظل مصر لفترة طويلة بدون رئيس ويتعاقب إسقاط الحكومات من قبل الجماهير التى ستظل ضاغطة من خلال شرعيتها الخاصة .